السيد كمال الحيدري
64
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )
ومن هنا يظهرُ ضعفُ ما نُسبَ إلى المشهورِ أنّ القضاءَ هو ما عندَ المفارقاتِ العقليّةِ مِن العلمِ بالموجوداتِ الممكنةِ بما لها من النظام ، وكذا ما ذهبَ إليه صدرُ المتألّهينَ أنّ القضاءَ هو العلمُ الذاتيُّ المتعلِقُ بتفاصيلِ الخلقةِ ؛ قال في الأسفار : « وأمّا القضاءُ فهو عندهم عبارةٌ عن وجودِ الصورِ العقليّةِ لجميعِ الموجوداتِ ، فائضةً عنهُ تعالى على سبيلِ الإبداعِ دفعةً بلا زمان ، لكونِها عندهم من جملةِ العالمِ ومِن أفعالِ الله المباينةِ ذواتُها لذاتِه ، وعندنا صورٌ علميّةٌ لازمةٌ لذاتِه بلا جعل ولا تأثيرٍ ولا تأثّرٍ ، وليست من أجزاءِ العالمِ ، إذ ليستْ لها حيثيّةٌ عدميّةٌ ولا إمكاناتٌ واقعيّة . فالقضاءُ الربّانيُّ وهو صورةُ علمِ اللهِ قديمٌ بالذات ، باقٍ ببقاءِ اللهِ » انتهى « 1 » . وينبغي أن يُحملَ قولُه : « صورةٌ علميّةٌ لازمةٌ لذاتِه » على العلمِ الذاتيِّ الذي لا ينفكُّ عن الذاتِ ، وإلّا فلو كانت لازمةً خارجةً ، كانت من العالمِ ، ولم تكنْ قديمةً بالذات ، كما صرّحَ بذلك ، على أنّها لو كانتْ حضوريّةً انطبقَتْ على قولِ أفلاطونَ في العلمِ ، وهو ( قدس سره ) لا يرتضيه ، ولو كانتْ حصوليّةً انطبقَتْ على قولِ المشّائين ، وهو ( قدس سره ) لا يرتضيه أيضاً . ووجهُ الضعفِ في القولينِ ، أنّ صدقَ القضاءِ بمفهومِه على إحدى المرتبتينِ من العلم أعني العلمَ الذاتيَّ والعلمَ الفعليَّ لا ينفي صدقَه على الأخرى . فالحقُّ : أنّ القضاءِ قضاءانِ : ذاتيٌّ وفعليٌّ ، كما تقدّم بيانُه .
--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 292 .